حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
294
شاهنامه ( الشاهنامه )
وكانوا من الكثيرة بحيث إذا ارتحلت الساقة من منزل نزلت المقدّمة في المنزل الآخر . ولما انتهى إلى السغد أقام فيها أسبوعا . وارتحل منها إلى بخارا فدخل بيت النار الذي بناه توربن أفريدون هناك ، فأعطى الموابذة ذهبا كثيرا ، ونثر على النار جواهر . وارتحل منها إلى بلخ وأقام فيها شهرا . ثم ارتحل منها بعد أن ترك فيها إصبهبذا وعسكرا ، وكذلك فعل في البلاد الأخر المذكورة ، فوصل إلى الطالقان ، ومرو فمروالروز فاستقبله الأكابر ينثرون على مواكبه المسك والزعفران واللؤلؤ والمرجان . وأقبل منها بفيلته وعساكره إلى نيسابور فأقام بها وفرّق فيها أموالا كثيرة على فقرائها . وارتحل منها في الأسبوع الثاني متوجها إلى الرىّ حتى وصل إليها وأقام به أسبوع مستمرا على عادته في الإحسان منها إلى بغداد مجيء الملك كيخسرو لزيارة جده كيكاوس ونفذ النجابين إلى كيكاوس بأرض فارس فأظهر بمقدمه الفرح والسرور ، وأمر بضرب البشائر ونصب القباب على الطرق وتجليلها بالديباج والحرير . ثم خرج كيكاوس عند مقدمه لاستقباله . ولما وقعت عين كيخسرو على جدّه ركض اليه فتعانقا وبكيا من الفرح فدعا له كيكاوس وأثنى عليه وقال له فيما قال : إنه من عهد جميشذ ثم من عهد أفريدون من بعدُ لم تر العيون صاحب تاج وتخت مثلك . فقال له كيخسرو : هل أنا الا شعبة من دوحتك ؟ وهل حصلت هذه الفتوح إلا بسعادتك ؟ ثم إن كيكاوس أمر فنثروا عليه الياقوت والذهب حتى غمر النثار قوائم التخت . ثم تحوّلوا للطعام إلى إيوان مذهب ، وجعل يحدث جدّه بما جرى له في البر والبحر والحزن والسهل . ثم لما رفع السماط أحضروا الشراب واستنطقوا الجنك والرباب . وأقاموا على ذلك أسبوعا . ثم فتح كيكاوس أبواب كنوزه ، ورتب الخلع للأمراء والملوك الذين كانوا في خدمة كيخسرو فأفاض على كل واحد منهم ما يليق به من الخلع الفاخرة والتحف الوافرة . ثم أذن لهم في الانصراف إلى بلادهم . وبعد ذلك تفرّغ لعسكره الخاص فأطلق لهم أرزاق سنة ، وأدر عليهم العطايا والصلات . وخلا الملك كيخسرو ذات يوم بجدّه وقال له : إن هذا الظالم قد خفى أثره بعد تحمل المشاق العظيمة في طلبه ، وإنه إن عاد إلى كنك وأقام بها ولو ساعة واحدة ثابت اليه عساكره ، وقوى أمره وعلا كعبه فنحتاج إلى استئناف قتاله والنهوض إلى بلاده . فقال له كيكاوس : الرأي أن أركب أنا وأنت معا ونصير إلى بيت نار آذركُشَسب - وهو بيت نار بأذربيجان - فنبتهل إلى اللّه تعالى ونتضرع اليه فلعله يهدينا إلى الموضع الذي هو فيه . فلبسا ثياب البياض ، وركبا وسارا إلى ذلك المتعبد بقلوب مملوءة من الخوف والرجاء . فلما دخلا بيت النار جعلا يبكيان ويتضرعان إلى ربهما ، ويسألانه ، وينثران